المقالات
محطات من محرم الحرام
مسلم بن عقيل ثبات وشهادة
علي الأكبر(ع) تضحية ووفاء
العباس (ع) تضحية ووفاء
الطالب بدم المقتول بكربلاء
مصائب النسوة والأطفال
تاريخ النهضة الحسينية
في درب الشهادة
رجال حول الحسين
سفير الحسين
عاشوراء والإمام الخميني
مواقف خالدة
رحلة السبي
خصائص ومرتكزات
شهادة الإمام السجاد
محطات قدسية
مجالس ومأتم
معرض الصور
لوحات عاشورائية
مراقد وأماكن مقدسة
مخطوطات
المكتبة
المكتبة الصوتية
المكتبة المرئية
 
 

 

نهضة سفير الحسين عليه السلام إلى الكوفة

كان لنهضة مسلم موعد مضروب بينه وبين الناس، ولم يزل هو ومن بايعه يتأهبون لذلك الأجل من تعبئة الرجال، وتهيئة العتاد، ورسم خطط الحرب الأخذ بالتدابير اللازمة، غير أن الأمر باغته بالقبض على هاني وهو آخذ بعضده، وموئل رأيه، وفي داره قاعدة ولايته، ومركز سلطته، فاضطرّت الحالة "مسلما" أن يتعجّل الخروج قبل الأجل مخافة أن يؤخذ غيلة ولعله ينقذ صاحبه من مخلب الظالم وقد أسلمته عشيرته.

وكان رسوله الى القصر عبدالله بن حازم الكبريّ من الأزد من بني كبير1 ليأتيه بخبرهاني، فعرّفه حبسه وأن نسوة مراد مجتمعات ينادين واثكلاه واعثرتاه فعندها أمره أن ينادي في أصحابه: "يا منصور أمت"2 وقد ملأبهم الدور حوله، وتنادى أهل الكوفة بذلك الشعار فاجتمع اليه أربعة آلاف فعقد راية لعبيدالله بن عمرو بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة وأمّره على الخيل، وراية لمسلم بن عوسجة الأسدي على ربع مذحج واسد وأمّره على الرّجالة، وراية لأبي ثمامة الصائدي على ربع تميم وهمدان، وراية للعباس بن جعدة الجدلي على ربع المدينة.

ثم أقبل مسلم ـ عليه السلام ـ بهؤلاء الجمع الى القصر وكان ابن زياد في الجامع الأعظم يخطب الناس فدخلت النظارة المسجد من باب التمارين يهتفون بمجيء ابن عقيل فراع ذلك ابن زياد، وأسرع الى القصر وأغلق أبوابه.

واجتمع الناس حتى امتلأ المسجد والسوق منهم وأحاطوا بالقصر وضاق بابن زياد ذرعه إذ لم يكن معه إلا ثلاثون رجلا من الشرطة وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته ومواليه.3

فكان أسهل شيء على اولئك الدارعين الا جهاز على ابن مرجانة ومن معه لأول وهلة في طليعة الزحف وفي القوم مساعير للحرب، ولعل منهم من لا يروعه التقحّم على أولئك النفر المعدودين بالأنامل ولم يكن لابن زياد في ذلك الوقت غير قعقعة الارهاب، وما أدري كيف انطلت هذه البهرجة على ذوي البصائر بشؤون المصر الواقفين على ما في أرجائه من قلاقل وفي أجوائه من محن وإحن؟

ولكن لا عجب من أذناب الكوفيين إذا مالوا مع عصبة الشيطان بمجرد أن سمعوا ابن لأشعث وحجار بن أبجر وشمر بن ذى الجوشن يمنّونهم العطاء مع الطاعة ويهدّدونهم بجند الشام الموهوم، وأشرف عليهم كثير بن شهاب حين كادت الشمس أن تغرب وقال: أيها الناس الحقوا بأهاليكم ولا تعجلوا الشر، ولاتعرضوا أنفسكم للقتل فإن هذه جنود أميرالمؤمنين يزيد قد أقبلت وقد أعطى الله الأمير عهدا لئن أتممتم على حربكم ولم تنصرفوا من عشيّتكم أن يحرم ذرّيّتكم العطاء ويفوّق مقاتلتكم في مغازي الشام على غير طمع، وأن يأخذ البري بالسقيم والغائب بالشاهد حتى لا يبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلا ذاق وبال ما جرّت يده.4

فتفرق أولئك الجمع عن مسلم ـ عليه السلام ـ حتى لم يبق معه إلا ثلثمائة رجل وصلى العشاء بالمسجد ومعه ثلاثون رجلا وانصرف نجو كندة5 ومعه ثلاثة ولم يمض إلا قليلا وإذا لم يشاخد أحدا يدلّه على الطريق فنزل عن فرسه ومشى متلدّدا في أزقة الكوفة لا يدري إلى أين يتوجّه. 6

إن من العجيب الغريب أمير مصر يتفرق عنه جنده، ووالي قارّة أسلمته أنصاره، لماذا كان ذلك؟ للاوهام والتهافهات، أو للمطامع الشهوات؟ أين النخوة والحفاط؟ أين الاباء والحمية؟ أيظنون أنهم لو انضووا الى راية الهدى يحرمهم صاحبه الاعطاء؟ أو يضن عليهم بالوظائف؟ أو يقيم الحق بغيرهم؟ لا ها الله ما كان يدّخر الاعطيات إلا لهم، ولا ينضد الكراسي بمن عداهم، ولا قيادة الجيوش إلا بهم، ولو عدلوا لما استلم الحكم سواهم.

لكن خسّة الطباع ولؤم العنصر حالا دون أن يحضوا بالشرف وضاح والسعادة في الدنيا والآخرة فاستمرأوا أجاج الأمويين تحت راية ابن مرجانة، وتركوا التاريخ يذكرهم منافيات المروءة والحفاظ ولوازم قول الزور وخفر الذمم "ولعذاب الله أكبر لو كانوا يعلمون".7


1- تاريخ الطبري ج6 ص208.
2- منصور رئيس الملائكة الذين نزلوا لنصرة النبي يوم بدر وكان شعار المسلمين يا منصور أمت.
3- ابن الاثير ج4 ص12.
4- الطبري ج6 ص208.
5- الأخبار الطوال ص240.
6- اللّهوف لابن طاووس.
7- الشهيد ُسلم بنُ عقيل عليه السلام /عَلامَةُ المَرحُوم عَبْدُ الرَّزاق المُوسَوي المقُرَّم ص 130_133.